المذابح العثمانية بحق السريان/الآشوريين، باليد الكردية
بامر عثماني نفذت قبائل كردية مذابح ابادة بحق المسيحيين، سريان واشوريين وكلدان وارمن
 

المذابح العثمانية بحق السريان/الآشوريين، باليد الكردية - العناويين:

 
 
  0- المقدمة

عبَّر أحد المفكرين خير تعبير عن الحالة التي عاشها الشعبان الآشوري والكردي مؤخراً بقوله: إن الذين لا يمكنهم تذكر الماضي واستيعابه.. مقضيٌ عليهم بتكراره بكل أخطائه ومآسيه. وكأنه بذلك يحدد شروط بناء المستقبل وخطوط العلاقة المتشابكة لهذين الشعبين الجارين. وبالطبع دون أن يقصدهما بعبارته تلك، لكنها جاءت كالحكمة الهابطة من السماء لأناس ضلّوا طريق الهداية.

وبالحقيقة، فقد شكّل هذان الشعبان في العقود الأخيرة طرفين لمتراجحةٍ غير متكافئة. وكل طرفٍ فيها تمدَّد في أفقه الخاص، وتفاعل بشكلٍ منفصل مع مفرزات الماضي وسلبياته، ليخلق في داخله شبه (غيتو) لا يقبل الانفتاح أو التعاطي مع عناصر وحقائق جديدة أُضيفت بشكلٍ أو بآخر على طرفي تلك المتراجحة. فالآشوريون بكل طوائفهم وفئاتهم سكنوا الماضي بكل آلامه ومآسيه وبكل، ما يعنيه لهم ذلك الماضي من مذابح وتهجير وقتل وتشريد، دون أن يحاولوا كشعبٍ يسكن الحاضر، ويتطلع بأمل إلى المستقبل، للخروج من ذلك الماضي ومرارته. أما الأكراد فقد أرادوا الانقطاع التام مع ذلك الماضي، وكأنه ليس ماضيهم ولا يعنيهم بشيء، وذلك إلتماساً منهم للدخول إلى واحة المستقبل دون أن يحملوا معهم أية علامة تسيء إلى حاضرهم ومتطلباته الحضارية بشروطه الإنسانية الملزمة.

 ولكي يمكننا الخروج من هذا المأزق الذي وجدنا فيه أنفسنا، لا بد لنا من قراءة الماضي بذهنية متفتحة، تنسجم ونهاية القرن العشرين، ومتطلباته العصرية. وأن نعيد تقييم أحداثه المؤلمة منها والسارة ، لنتمكن من استخلاص العبرة والفائدة، لنستند اليها في بناء المستقبل الذي ننشده، والذي هو بلا شك مستقبل كل أبناء المنطقة، حيث يطمح الجميع لأن يكون مستقبلاً سعيداً ومشرقاً، قائماً على التعايش والأخوَّة والعدل بين شعوب وقوميات المنطقة قاطبةً. ولن يكون المستقبل كذلك ما دام هناك شعبٌ  ما يزال يشعر بالغبن والاضطهاد والظلم. وصورة الواقع الحالي ليست وردية زاهية على أية حال. لكن إن كانت بعض الشعوب والقوميات تعاني من الظلم والاضطهاد وهي تناضل من أجل تحررها، فإن الشعب الآشوري يعاني في الحقيقة من اضطهاد وظلم مركبين. فمن جهة هو كجميع الأقليات الأخرى، مضطهدٌ قومياً من قبل حكومات المنطقة، ومن جهة أخرى يعاني من اضطهاد ديني ليس من قبل الحكومات هذه المرة ،وإنما من قبل حتى الأقليات المضطَهدة مثله والتي تتجاور معه جغرافياً. ولعل تجربته المريرة خلال القرنين الأخيرين مع الشعب الكردي في شمال مابين النهرين خير تأكيدٍ على هذا القول.

وقبل أن ندخل في تفاصيل الأحداث لابد أن نتعرف على الأكراد ومناطق عيشهم تاريخياً. 
 
  1- الأكراد وكردستان، جغرافيا

يُعتبر الأكراد فرعاً من مجموعة الشعوب الهندو أوربية، التي قدمت إلى بلاد الرافدين من منطقة جبال القفقاس، واستوطنت المنطقة الجبلية الواقعة إلى الشمال الشرقي لبلاد الرافدين وغرب إيران، وجاور الأكرادُ الآشوريين قروناً طويلة، وكانوا على الدوام أقرب تلك الشعوب جغرافياً إلى حضارة وادي الرافدين. ويَنسب الأكراد أنفسهم إلى بعض تلك الشعوب التي استوطنت في المنطقة، وأقامت بعض الممالك ثم انقرضت، كالغوتيين والكاشيين والحوريين والميديين. لكنهم أقرب إلى الفرس في اللغة وملامح الوجه. وهذه الشعوب تفاعلت مع بعضها ومع الشعب الرافدي عبر التاريخ حتى غدا من الصعب جداً التمييز بين فئة وأخرى من الأعراق، نتيجة للاختلاط الكبير الذي حدث بسبب التحولات السياسية التي مرت بها المنطقة خلال آلاف السنين. لكن الأكراد بالمفهوم الحالي كانوا حتى أوائل القرن السادس عشر ودخول العثمانيين إلى المنطقة، يسكنون الجبال الواقعة غرب إيران وشمال شرق نهر دجلة، وساعدهم مذهبهم السني لبناء علاقةٍ جيدةٍ مع العثمانيين الذين منحوا رؤساء عشائرهم إقطاعاتٍ كبيرةً حتى تحولوا إلى أمراء، وشكلوا إماراتٍ عديدة في المنطقة استُخدمت كعنصرٍ مؤثرٍ في صراع الإمبراطورية العثمانية ذات المذهب السني، مع الصفويين في إيران ذات المذهب الشيعي. وقدموا خدماتٍ جليلةً للعثمانيين على هذا الصعيد، مما ساعدهم للامتداد أكثر نحو الغرب والسيطرة مع مطلع القرن التاسع عشر، على معظم شمال ما بين النهرين. رغم كون غالبية السكان من المسيحيين السريان والأرمن، والذين بدأت أعدادهم تتناقص لأسبابٍ سنوضِّحها لاحقاً، حتى شارفت على التلاشي مع نهاية القرن العشرين.

ولا يوجد حالياً إحصاء دقيق لعدد الأكراد، لكن التقديرات تتراوح ما بين خمسة عشر مليوناً (بحسب المنجد للأعلام)، وأكثر من ثلاثين مليوناً، بحسب بعض التقديرات الكردية المغالية، ومعظمهم يعيش اليوم في حدود الأراضي التركية الحالية، ويتوزع الباقي بين إيران والعراق وسوريا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وهناك أكثر من مليون كردي من المهاجرين إلى أوربا.

 أما بالنسبة لكردستان، كإقليم جغرافي، يرى الكاتب العراقي سليم مطر أن هذه التسمية استُخدمت لأول مرةٍ في زمن السلاجقة التركمان في العصر العباسي، إذ كوَّن السلاجقة مقاطعةً بهذا الاسم مركزها (بهار) في شمال غربي (همادان) ومحاذية لأذربيجان. وكانت تشمل محافظة السليمانية الحالية إضافةً إلى مقاطعة كردستان الإيرانية الحالية. ويسلسل الكاتب سليم مطر التوسع الجغرافي في مفهوم كردستان تاريخياً فيقول: الذي يستحق الانتباه في تاريخ كردستان، أن مساحتها الجغرافية كانت تتوسع مع مرِّ القرون، وهذا يدل على توسُّع الهجرة الكردية إلى مناطقَ جديدةٍ كانت مقطونةً بشعوبٍ أخرى: نحو الجنوب حيث مناطق بختيار واللور، ثم نحو الشمال حيث بلاد الأرمن والأذربيجان، ثم نحو الغرب حيث منطقة الجزيرة- شمال بلاد الرافدين-. ويسوق أمثلةً على ذلك معتمداً على الموسوعة الإسلامية. ففي عام (1349م)، أي بعد قرنين من تكوين مقاطعة كردستان، نرى مصطلح كردستان قد توسع، حسب المؤرخ حمد الله مصطفى، ليشمل كذلك مناطق جديدةً في الشمال والجنوب. وفي عام (1596م) نرى المؤرخ شرف الدين في كتابه (الشرف نامة) يتوسع في تعريف بلاد الأكراد نحو الجنوب، لتشمل كذلك كل مقاطعة لورستان، أي إقليم الجبال بأجمعه، بعد أن كان نصفه منذ أربعة قرون..

 بعد ذلك يأتي المؤرخ التركي (الشلبي) عام (1682) ليتوسَّع بدوره بمساحة كردستان نحو الشمال، لتشمل الجزء الأكبر من أرمينيا السابقة (ولايات أرضروم ووان وحكاري) وكذلك يتوسع بكردستان إلى الغرب، نحو منطقة الجزيرة الرافدية لتشمل ديار بكر والعمادية والموصل  وأربيل وكركوك. ثم إلى الشمال الغربي، لتشمل أذربيجان الغربية. وللتدليل على ذلك بالأرقام يمكننا الاستناد إلى الموسوعة الإسلامية مرة أخرى إذ تقول أنّ سكان مدينة ديار بكر (آمد) والتي يعتبرها الأكراد اليوم عاصمة كردستان تركيا. كان تعداد سكانها في أواخر القرن الماضي (35 ألف نسمة) منهم (1430) كردياً فقط. والباقي من السريان والأرمن. أما اليوم فلا يسكن في ديار بكر إلا بضع عائلات سريانية فقط، في حين أن سكانها البالغ عددهم اليوم (236 ألف نسمة) جميعهم من الأكراد. 

من هذه الأمثلة الموجزة والقليلة، يتضح إلى أي مدىً لحق الغبن بسكان المنطقة المسيحيين، وبصورةٍ خاصة، السريان الآشوريين، سكان وادي الرافدين الأصليين، وبناة حضارتها العظيمة. 
 
  2- البـــدايـــة،  انطلاقة مشروع الابادة

 لايُخفى على المطّلع على حياة شعوب المنطقة، مدى ما كانت تعانيه من جهلٍ وتخلفٍ وتحكُّم الإقطاع  وزعماء العشائر بعامة الناس، وتسخيرهم لمصالحهم ونزواتهم. ولاشك أن السريان الآشوريين، وكذلك الأرمن كانوا يكابدون المعاناة ذاتها. لكن الظلم الذي كان يعاني منه الكردي البسيط من الإقطاعي أو من زعيم قبيلته، كان يجد له متَنَفَّساً في الإعتداء على أملاك وأرواح جيرانه المسيحيين، وبخاصةٍ، حين أدرك أن اعتداءه ذاك لن يجد أي عقابٍ جزاءه. من هنا يمكننا التمعُّن بالذي حدا بهذا الكردي البسيط للتفكير بالاعتداء على جاره المسيحي، دون أن يتمكن من التفريق بين المسيحي الأرمني أو المسيحي السرياني، أو غيره، مع إنهما عاشا متجاورين قروناً طويلةً، ولم تحصل اعتداءات بالشكل الذي شاهدناه مؤخراً، وبالصورة الهمجية التي حدثت. وإن كان قد حدث سابقاً شئ من هذا القبيل، فإنه كان يعبِّر عن منطق الحياة وضروراتها في ذلك الوقت. فالتقاتل على المراعي الخصبة، والأراضي الصالحة للزراعة بين قبائل ومجموعاتٍ تنشد أفضل مناطق الرعي، أو افضل الأراضي الزراعية، بغية الاستقرار، أمرٌ عادي ومفهوم في حينه، أما أن يتحول الأمر إلى مجرد نزوعٍ بدائي نحو القتل، حتى لو كان ذلك يلحق الضرر بالقاتل، فإن هذا الأمر يغدو غير طبيعي، ولا بد من البحث عن الأسباب الكامنة وراءه.

معلوم أنه منذ أواخر القرن السابع عشر بدأت الإمبراطورية العثمانية بالتراجع، وتحديداً منذ فشل حصار فيينا الثاني عام (1683). إذ بدأت تخسر أراضٍ لأول مرةٍ منذ تأسيسها، وبدأت شعوب البلقان التحرر من الاستعمار العثماني، مما حدا بالسلاطين العثمانيين لتشديد قبضتهم على القسم الشرقي لإمبراطوريتهم، والذي يضم مناطق واسعةً، سكانها من المسيحيين، تجاورهم من الشمال روسيا القيصرية، التي مازالت تطمع بأملاك الإمبراطورية العثمانية، وتتطلع بصورةٍ خاصة، إلى السيطرة على القسطنطينية التي تتحكم بالمضائق. ومما زاد الخطر سوءاً، ازدياد التدخل الأوربي في شؤون الإمبراطورية، وقدوم الإرساليات التبشيرية، كتغطية لمطامع استعمارية في المنطقة، وتهيئة الظروف المناسبة لتحقيق تلك المطامع. وفي هذا الصدد يرى المفكر اللبناني جورج قرم: إن الاقتحام الغربي للشرق منذ القرن الثامن عشر، وبخاصةٍ في القرن التاسع عشر، هو الذي وضع الإمبراطورية العثمانية في موضع الدفاع عن النفس وأرغمها على التخلي عن سياستها التقليدية في التسامح  الإثني والديني. وبالفعل سعت القوى الأوربية إلى لغم الإمبراطورية العثمانية من الداخل بأن اصطنعت لنفسها- زبائن من مختلف القوميات والأقليات الدينية الخاضعة للسيادة العثمانية، محرِّضةً إياهم على شقِ عصا الطاعة والانفصال، هكذا رأت النور في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر- المسألة الشرقية التي وصفها واحد من كبار المؤرخين الإنكليز وهو أرنولد توينبي، بأنه  لم تكن سوى مسألة غربية. ملمحاً بذلك إلى أن المسألة الشرقية ما وُجدت إلا من جرَّاء المنافسات بين القوى الأوربية الكبرى في الشرق..  ويسوق مثالاً على ذلك الأحداث الدامية التي شهدها لبنان بين عامي/1840-1860/. وأمام عجز سلاطين عثمان عن المواجهة مع الأوربيين، التفتوا إلى ممتلكاتهم الشرقية وبحثوا عن السبل لإفراغها من سكانها المسيحيين، درءاً للخطر القادم من الغرب المسيحي، وذلك عوضاً عن تحسين أوضاعهم واعتبارهم مواطنين، بغض النظر عن ديانتهم، ومعاملتهم على هذا الأساس. وقد وجدوا السبيل الناجع لذلك في تحريض الأكراد عليهم والسماح لهم بالاعتداء على ممتلكاتهم وأرواحهم دون أي خوفٍ من أي عقاب، وتقديم كل التسهيلات المطلوبة لهذا العمل قانونياً ومادياً. ويكاد العثمانيون يضحكون في سرِّهم، وهم يتخيلون ما سينجم عن خطةٍ جهنميةٍ كهذه. فالعداء سيكون مستحكماً تستعر ناره يوماً بعد يومٍ حتى يصبح الالتقاء والتحالف بين هذه المجموعات القومية مستحيلاً، لأنه لو تم لكانت نهاية الإمبراطورية العثمانية. ذلك لأن هذه الشعوب، كما يبدو لكل مراقب متفهم للوضع، كان لا بد لها من أن تطالب يوماً بحقوقها القومية. وبحكم الظروف والواقع ووحدة المصير، كان لا بد لها من التحالف ومواجهة الجيوش العثمانية التي كانت تتشكل منهم في غالبيتها، بعد خسارة مناطق البلقان. مما يعني اندحاراً أكيداً للسلطنة العثمانية وحصول تلك الشعوب على استقلالها، إسوةً بالشعوب البلقانية. ولعل المتتبع مدركاً ما كان للألمان من دورٍ في رسم هذا السيناريو وتنفيذه فيما بعد، نظراً لصعود الألمان بشكل سريع بعد الثورة الصناعية، وتطلعهم إلى أسواق واسعة لبضائعهم، ومستعمرات تزوِّدهم بالمواد الخام التي تتطلبها تلك الصناعة. وبسبب عدم استعداد الدول الاستعمارية الأخرى كبريطانيا وفرنسا للتفاهم مع ألمانيا الناهضة، والباحثة بإصرار عن أسواق لبضائعها، فلم تجد أمامها سوى أراضي الإمبراطورية العثمانية، فحاولت جاهدةً إزاحة الأخطار التي كانت تتهدد تلك الإمبراطورية، وكان الرعايا المسيحيون في مقدمتها، وكدلالةٍ على صحة هذا القول فقد أعلن (باول رورباخ) وهو أحد الكتاب والسياسيين الألمان البارزين في أواخر تشرين الثاني عام( 1913) أمام الجمعية الألمانية الآسيوية في محاضرةٍ له: إن أرمينية الغربية تشكل ما أسماه بؤرة فوضى في تركيا يحتاج إخمادها إلى استخدام الأكراد. وهكذا يعتقد كثير من المؤرخين أن الألمان هم الذين أشاروا على العثمانيين للتخلص من رعاياهم المسيحيين، والإيقاع بينهم وبين جيرانهم الأكراد. 

ابتدأت المذابح بشكلها السافر مع الإمارة البدرخانية. إذ قامت جيوش بدرخان في عام(1812) بمذابح كبيرة ضد النساطرة الاثوريين. واستمرت هذه المذابح ما بين (1843- 1845) وهي المذابح التي شهدها العالم الأثري هنري لايارد في رحلته إلى المناطق الآشورية شمال الموصل عام (1945)، وكتب عنها في كتابه (البحث عن نينوى). وكذلك كتب عنها الباحث لوك في كتابه (الموصل وأقلياتها). أورد مقتطفاً من الرسالة التي بعث بها البطريرك مارشمعون بنيامين إلى قيصر روسيا بتاريخ (27 أيار عام 1868)، مستنجداً بها: لقد استولى الأكراد عنوةً على ممتلكات أديرتنا وكنائسنا وسلبوا عفاف العذارى، واعتدوا على زوجاتنا ونسائنا، وأجبروهن على اعتناق دينهم. وكذلك فإن الأكراد يريدون منا دفع الجزية...

إن الاعتداءات الكثيرة التي كانت تحصل في تلك الفترة- ويمكننا إيراد أمثلة عديدة عليها، لا يمكن أن تتم رغماً عن السلطات العثمانية أو خارج إرادتها، ذلك لأن الإمارة البدرخانية كانت تابعة للعثمانيين، ويمكنهم السيطرة عليها. ودليل ذلك أن العالم الأثري هنري لايارد يكتب عن ذلك ما يلي: .. همجية الأكراد تعدت كل حدود بحيث جعلت صبر الباب العالي-حكومة الدولة العثمانية أن ينفذ. فقررت أخيراً معاقبة المعتدي صاحب المذابح الفظيعة وتحطيم الخاضع للسلطان العثماني الذي تمرَّد وبدون عقاب، يهمل موقفها المتسامح في الأمور الدينية. فأرسلت حملة تأديب تحت قيادة عثمان باشا حكم عليه بالنفي مع السماح لعائلته وكل المقربين له بمرافقته، وبالإضافة إلى هذا، أُعطيت له الضمانات في التصرف بممتلكاته الخاصة بنفسه كان هذا هو العقاب الوحيد الذي فُرض على منفِّذ عدد لا يحصى من الجرائم الجماعية في هذه البقعة من الشرق تشمئز لها النفس البشرية وتكاد همجيتها لا توصف.. 

هذه صورة بسيطة عن العقاب الذي كان يواجه من يرتكب أشد الاعتداءات فظاعةً بحق المسيحيين. وحتى هذا العقاب لم يكن ليتم لولا الاحتجاجات الشديدة التي قدمها الأوربيون والروس، ولولا أن بدرخان نفسه تمرَّد في نهاية الأمر على السلطنة العثمانية، وأراد تأسيس إمارة مستقلة لنفسه. ورغم المواقف الجيدة التي وقفها البدرخانيون الأحفاد من قضية الأرمن والآشوريين فيما بعد. فإن هذا كله لا يشفع لبعض الأكراد الذين لا زالوا يعتبرون بدرخان بك بطلاً قومياً متوَّجاً على دماء عشرات الآلاف من الآشوريين الأبرياء.

 ومع استلام السلطان عبد الحميد للحكم (1876-1909) حتى بدأ المشروع يتكشَّف بصورة أوضح، فتشكلت فرق الفرسان الحميدية من الأكراد بصورة أساسية، ومُنحت كل الصلاحيات لإنهاء الوجود الأرمني في الإمبراطورية العثمانية. وبدأت الاعتداءات ليس على الأرمن وحدهم، وإنما على السريان الآشوريين أيضاً، وما المانع من ذلك مادام هذا الأمر يكسبهم عطف السلطان، والكثير من السبايا والذهب. فعاثت فرق الموت تلك خراباً في جميع المناطق المسيحية أرمنية كانت أم سريانية أم غيرها، ولم يجد العثمانيون سبباً واحداً لردع تلك الفرق عن اعتداءاتها على مواطنين ورعايا الدولة العثمانية. لا بل كانوا يزيدونها تشجيعاً وعند أي احتجاج أوربي على فظاعة المجازر التي تحدثها تلك الفرق، يكون جواب العثمانيين أنها عشائر جبلية تتقاتل ولا يمكن السيطرة عليها، أو أن هناك انتفاضة أو ثورة أرمنية يجري قمعها. وبالطبع لم يكن أي من الإدعاءين صحيحاً. ولقد كان لفكرة الجامعة الإسلامية التي رفع شعارها العثمانيون وبخاصة في فترة حكم السلطان عبد الحميد، والتي اعتبروها شعاراً أساسياً لسياستهم أسوأ الأثر على الرعايا المسيحيين. فاتخذها العثمانيون ذريعة لتشديد الضغط على أولئك الرعايا أشد من ذي قبل، وشجعوا الأكراد على الاعتداء عليهم، ويؤكد ج. ليبسيوس في كتابه (ألمانيا وأرمينيا) عن المجازر التي حدثت في السنين (1894- 1896): فإن الفظائع الوحشية في ديار بكر لم ُترتكب ضد الأرمن فحسب، بل ضد السريان الأرثوذكس أيضاً. ويورد الكاتب نفسه في كتاب آخر له أرقاماً مؤكداً قوله السابق: في سهل آرباك بين الحدود الإيرانية والرافد الشمالي لبحيرة وان كان الجنود غير النظاميين أي الفرق الحميدية قد قتلوا نحو 260 أرمينياً و300 شخصاً من السريان الأرثوذكس.
 
    3- الحرب الاولى والفرصة الكبرى

مع إطلالة الحرب العالمية الأولى، كانت خطة الإبادة الشاملة للمسيحيين قد باتت جاهزة وأن الفرصة باتت سانحة بسبب ظروف الحرب. وكان حزب الاتحاد والترقي التركي قد أعدَّ العدة ووضع خطة الإبادة منذ ما قبل الحرب ببضع سنوات، وتوزع أعضاؤه المهام فيما بينهم، وبالطبع كان المقصود بالدرجة الأولى هم الأرمن، لكن حين امتدت ألسنة اللهيب إلى السريان الآشوريين لم يرَ الاتحاديون سبباً لإطفائها، فنالت من السريان بالقدر نفسه من الوحشية، والألم الذي نالته من الأرمن الذين أعتبرهم الأتراك مذنبين لمطالبتهم بحقوقهم القومية وإصلاح أوضاعهم، وأقاموا لذلك أحزاباً ومنظمات سياسية، في حين لم يقم السريان بأي من ذلك فيما خلا انتفاضة الآشوريين في حكاري عام 1915 والتي ما كانت إلا نتيجة لممارسات وحشية عديدة سبقتها. ولقد كان للأكراد بوجه عام، دور هام في تلك الأحداث. ويؤكد لنشوفسكي بأن الأكراد كانوا جميعاً بجانب تركيا أثناء الحرب، وقد تمكن الأتراك بمهارة من توجيههم لقتال المسيحيين من الآثوريين والأرمن، بحيث أثبت الأكراد أنهم مفيدون للأتراك في أداء المهمات التي أُنيطت بهم في الولايات الشرقية...  

وتتكرر المآسي والأعمال البشعة خلال سنوات الحرب وتشمل جميع مناطق السريان الآشوريين ناهيك عن مناطق الأرمن. ويورد الكاتب الكردي كمال أحمد مظهر أمثلة عن تلك الأعمال التي جرت لبعض المناطق الأرمنية، وبالطبع لم تكن مناطق السريان أقل وحشية. فيقول: مما يؤسف له أشد الأسف، أن الكرد أسهموا قليلاً أو كثيراً عن وعي أو دونه، بتحريض من الآخرين أو عن عمد. في مذابح الأرمن هذه. مستأنفاً قوله: خلال المذبحة الأولى افتتح أحد مشايخ الطرق واسمه الملا أحمد سعيد، العملية بنفسه في مدينة اورفة في الثامن والعشرين من كانون الأول عام 1895م حيث أمر بإحضار أرمني برئ فبطحوه على الأرض وفصل رأسه عن جسده بيده على مرأى من الجمهور. ويورد أمثلة أخرى عديدة عن الأعمال التي ارتكبت بعد ذلك وأثناء المذابح التالية خلال الحرب فيقول: .. وفي حالات معينة كان الرؤساء الأكراد يتممون ما بدأه غيرهم. فإن زعيم الشكاك (سيمكو) مثلاً وضع كميناً في مضيق قوتور لجماعات من الأرمن الذين نجوا من الموت. فباغتهم رجاله وأقاموا لهم مذبحة جديدة.. . ويتابع قوله أن في الإمكان عرض نماذج كثيرة أخرى في هذا المجال إلا أن حفنة واحدة تنبئ عما في الحمل، كما يقول المثل الكردي. وإذا كانت الحفنة متعفنة فإن الحمل يكون أشد عفونة بكثير.  

ولعل اغتيال مار شمعون بنيامين غدراً على يد سيمكو هذا في الثالث من آذار عام 1918 وهو في ضيافة هذا الأخير ساعياً للصلح وتوحيد الجهود، بناءً على اتصالات سابقة بينهما لإقامة دولة (كردية-آشورية) وفق برنامج اقترحه البطريرك الآشوري، جعلته يحبِّذ اللقاء بسيمكو، رغم التحذيرات التي وصلته بأن سيمكو يُعد العدة لاغتياله، ذلك لأن الهدف كان أكبر من أن يحجم عن اللقاء بسبب تحذيرات من هذا النوع.

ويرى الحيدري أن الإنكليز اتفقوا مسبقاً مع سيمكو لقتل المار شمعون، إذ أنهم أرادوا بذلك اتخاذ الآشوريين قاعدة يستندون إليها في ترويج سياستهم الاستعمارية في هذه المنطقة الاستراتيجية، وان يكونوا دائماً بحاجة لطلب المساعدة منهم. فالسفير البريطاني في استانبول، حينما كان يرفع احتجاجه للباب العالي على هجمات الأكراد ضد الآشوريين، فإن حكومته كانت من جهة أخرى، تشجع الأكراد على مقاتلة الآشوريين. ويرى الأستاذ جلال الطالباني في هذه العملية الخسيسة جريمة بحق الحركة الكردية قبل الآشورية إذ يقول: إن التاريخ الكردي ملئ بالمحبة والود تجاه الآشوريين ينبذ هذه العملية اغتيال مار شمعون- ويضيف: إن عملية الغدر والإجرام التي دبرها سيمكو ضد إخواننا الآشوريين تسوّد صفحاته وخلقت مصاعب جمة للحركة الوطنية الكردية مازالت آثارها باقية. 

ومن الواضح أن سيمكو هذا كان عميلاً مزدوجاً، للإنكليز من جهة، وللإيرانيين من جهة أخرى. وليس أدل على ذلك من أن السلطات الإيرانية التي شجعت سيمكو لاغتيال المار شمعون نصبت له كميناً أثناء توجهه إلى طهران عام 1926 بدعوة منها، لتنصيبه زعيماً للقبائل الكردية عند مدينة أوشنو، وتمكنت من قتله والتخلص من وعودها له. والغريب في الأمر، وكما لاحظنا في حالة بدرخان بك. وربما كان الأمر هنا أكثر مفارقة، أن كثيراً من القوميين الأكراد يعتبرون سيمكو مناضلاً قومياً كردياً، ويجلُّون ذكراه، متجاهلين القول السابق للأستاذ جلال الطالباني، وهو أحد أهم زعماء الحركة الكردية المعاصرة، وشهادته الواضحة فيه. محاولين بذلك الاختباء خلف ظلال أصابعهم المشيرة إلى جرائم الأتراك ومسئوليتهم عن ذلك. مع العلم أن المسؤولية التركية ليست خافية على أحد. وهناك آلاف الوثائق الدامغة عنها، وعشرات الكتب التي دوّنها شهود عيان ومعاصرون للأحداث. وكلها تتحدث بتفصيل شديد عما عاناه مسيحيو الإمبراطورية العثمانية، وبخاصة الأرمن والسريان الآشوريين، من إبادة للجنس منظمة ومخطط لها ومدبرة منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى. وما يهمنا في هذا المقال الموجز عن هذه القضية هو إظهار ما ناله السريان الآشوريون من حملة الإبادة المنظمة تلك، بالنظر إلى طغيان المأساة الأرمنية والتغطية الإعلامية التي حظيت بها عالمياً لتشمل حتى مذابح السريان الآشوريين تحت اسم المذابح الأرمنية. وكذلك إظهار الدور الكردي فيها، وتحديد المسئولية الكردية عنها.  

ولعل المشاركة الكردية كانت أكثر فاعلية تجاه السريان الآشوريين من الأرمن، بسبب التجاور والتداخل الجغرافي في مناطق في سكناهم، وهذا ما أفقد السريان الآشوريين ميزة هامة عندما تكون منطقة جغرافية واسعة متجانسة بشرياً وقوميا،ً مما أعجزهم عن إمكانية تنظيم القوى الذاتية للدفاع والمواجهة. فكان الاستسلام لخناجر المعتدين الطريق الوحيد المتاح أمامهم. ولا زال حتى اليوم يعيش بيننا من الشعبين الكردي والآشوري أناس عاشوا تلك الأيام، وما زالوا يذكرون تفاصيلها. ولا حاجة بنا إلى إيراد أمثلة من كتابات أجانب ودبلوماسيين تحدثوا عنها، لمزيد من التأكد، سواء كانوا معاصرين أو شهود عيان أو مشاركين فاعلين في تلك الأحداث، كالسفير الأميركي في القسطنطينية هنري مورغنتاو أو غيره.  

مما سبق يتضح أن ما نال السريان الآشوريين من تلك المأساة البشرية ليس بالشيء القليل. وما التناقص الشديد بأعدادهم في المنطقة، بعدما كانوا يشكلون غالبية السكان في الماضي القريب، سوى الشاهد الأكبر على مدى الفظاعة التي مارسها الإنسان تجاه أخيه الإنسان في منطقة تميزت بعطائها الحضاري والإنساني على مدى آلاف السنين من الإبداع والمدنية.   وقبل أن نستعرض ما ينال الأكراد من مسئولية تجاه الشعب الآشوري في تلك المذابح البشعة. يجب علينا أن نشير إلى النقاط الإيجابية في مواقف بعض الأكراد تجاه المسيحيين عامة والشعب الآشوري بكافة فئاته من سريان ونساطرة وكلدان، بصورة خاصة. 

لقد عاش الشعبان قروناً طويلة متجاورين، تسود بينهما روح الألفة والمحبة والتعاون. ولا يذكر التاريخ القديم حالات مورس فيها جنون القتل كما حدث خلال العقدين الأخيرين. وإن وردت بعض حالات الاعتداء، فهي لا تخرج عن نطاق الصراع الطبيعي بين فئتين متجاورتين تتضارب مصالحهما في مسائل أو مناطق معينة، لا تلبث أن تجد لها حلاً دون أن تتخذ سمة الصراع الشامل الذي لا ينتهي إلا بإفناء أحد الطرفين. ورغم تأكيد عدد من الكتاب والمهتمين بالعلاقات الآشورية الكردية، بأن العداء والغزو المستمر هو الطابع المميز لتلك العلاقة فإن ذلك لم يحدث إلا في مرحلة متأخرة، وبعدما أصبح الأكراد أكثر عدداً ويمتلكون سلاحاً أكثر. ومع ذلك فإن الكثير من العائلات الكردية حَمَت مسيحيين من القتل، رغم التحذيرات التركية الشديدة بهذا الشأن. وكثير من المسيحيين آشوريين وأرمن ممن حالفهم الحظ ونجوا من القتل وهم أطفال، شبُّوا وترعرعوا في كنف عائلات كردية وعربية ويزيدية، حتى أصبحوا رجالاً. كما وقفت بعض العشائر الكردية كعشائر (القزل باش) في منطقة ديرسم موقفاً مشرفاً ينسجم مع شهامتها وروح الأخوة التي تربطها بجيرانها، فحمت المسيحيين الذين كانوا في المنطقة من الإبادة المؤكدة. وكذلك كان لبعض مشايخ القرى السريانية التي كانت ممتدة في الجزيرة السورية حتى الدجلة، على طول خط الحدود السورية التركية الحالي. مواقف من هذا النوع، وحاولوا ما أمكن إنقاذ السريان الذين كانوا يقاسمونهم هموم الحياة وملذاتها، عندما أعلن قدور بك قرار الإبادة لمسيحيي الجزيرة، وقاد مجموعاته المسلحة ليقضي عليهم قرية إثر أخرى. كما كان لأبناء وأحفاد الأمير بدرخان، وهم في المنفى دورٌ هامٌ في الدفاع عن المسيحيين الذين تعرضوا للمذابح. وكان لنشاطهم الصحفي، أكبر الأثر في فضح الدور التركي لزرع بذور الحقد والكراهية بين الشعبين الأرمني والآشوري من جهة، والشعب الكردي من جهة أخرى، منعاً لالتقائهما وتحالفهما مستقبلاً. وحالات التحالف القليلة التي حدثت في التاريخ القريب شاهد حي على ذلك، كثورة عبيد الله النهري عام (1880) ورغبته في التحالف مع مسيحيي منطقته، وكذلك محاولة مار شمعون بنيامين، وأيضاً المحاولة الأخيرة لأنطوني هرمز رسام مع مجموعة من زعماء الأكراد في العراق في مطلع الثلاثينات من هذا القرن.  

فالاعتداء على المسيحيين إجمالاً، وإن اتخذ الطابع العام، لكنه لا يشمل جميع الأكراد. فقد ظلت فئة منهم تتحسر وتتألم لما يحدث أمام ناظريها، وربما وُجِدَ كثيرون ممن لم تطاوعهم ضمائرهم في الذهاب بعيداً، والمشاركة المتحمسة بهذه الهستيريا الجماعية، لكنهم لم يكونوا يمتلكون لا القدرة ولا الجرأة لإيقاف هذا السيل الجارف، ناهيك عن عدم امتلاك الرؤية السياسية الواضحة لوضع الأمور في ميزانها الصحيح، وتقدير مدى الربح والخسارة التي سينالها شعب أقدم على عمل مصيري من هذا النوع.
 
  4- المسؤولية، باشراف عثماني، الاكراد بيدهم ابادوا المسيحيين

والآن من حقنا التساؤل مع رئيس أساقفة كانتربري، الذي وقف عام (1919) في مجلس اللوردات البريطاني، بعد أن اطَّلع على (الكتاب الأزرق) الذي أصدره الإنكليز عام (1916) والذي يتضمن وثائق ومشاهدات عن الجرائم والفظائع التي ارتُكبت أثناء الحرب بحق مسيحيي تركيا.قائلاً: أوََتكون هذه الشناعة الموصوفة هنا إلا من أعمال وحوشٍ انفلتت من عقالها، لا تعرف معنى الرحمة والإنسانية..؟ أم إنها حقاً من أعمال الحكومة المدروسة، والمخططة عمداً؟؟ ويضيف رئيس الأساقفة: أما الوثائق المورودة هنا، وقد كُشف عنها، فإنها تضم صيغة برقيات متعددة وُجهت في آن واحد إلى مختلف أجزاء الإمبراطورية، للبدء بالمذابح، فيما إذا كان لابد منها. وأُعد التهجير بحرص من خلال خطة محكمة بحيث تجعل الافتراض أنها كانت من أعمال الحكام المحليين، أو السلطات المحلية. 

أين تكمن إذاً مسئولية الأكراد في مذابح السريان الآشوريين؟ وإلى أية درجة ترتقي تلك المسئولية؟.  

لقد استعرضنا في مطلع هذا المقال الأسباب السياسية الكامنة خلف قرار الإبادة الجماعية، والدوافع التي حدت بالعثمانيين، ومن ثم جماعة الاتحاد والترقي، ومن خلفهم الألمان لدوافع استعمارية، بالتخطيط والتحضير لعمل الإبادة الجماعية المنظم للأرمن أولاً، ومن ثم للمسيحيين الخاضعين للإمبراطورية العثمانية تالياً. وتهيئة القوى والظروف والمبررات للقيام بهذا العمل الشنيع. وكان دور الأكراد فيه من الأهمية بحيث تم التحضير له، وحسابه بدقة لسنوات عديدة قبل الحرب العالمية الأولى. وعند إطلاق إشارة البدء بالمذابح، لم يجد الأكراد سبباً للتفريق بين البصلة الحمراء والبصلة البيضاء، قاصدين بذلك الأرمن والسريان الآشوريين، (بحسب المثل الموروث عنهم منذ أيام المذابح، بأن البصلة هي بصلة سواء كانت حمراء أم بيضاء). ومن هنا انطلقت أبشع مجزرة منظمة في التاريخ البشري على الإطلاق، لتنهي وجود ما يقارب ثلاثة ملايين أرمني وآشوري في مناطق مابين النهرين العليا وأرمينيا الغربية، إذ ذهب نصفهم تقريباً ضحايا للمجازر، في حين هُجِّر وشُـرِّد النصف الآخر من مناطق سكناهم ومواطنهم الأصلية لآلاف السنين، تحت سمع وبصر العالم المتحضر، وهو يتغنى بمبادئ العدل والإنسانية.  

وإذا كانت المسئولية الأكبر هي مسئولية الحكومة التركية آنذاك، التي تآمرت وغدرت برعاياها العزَّل المسالمين في الوقت الذي يحتِّم عليها واجبها كسلطة، حماية رعاياها ضمن حدود الدولة التي تحكمها، في الوقت الذي لم يبدِ أولئك الرعايا أي نوع من أشكال عدم الانصياع للقانون، وبخاصة أثناء الحرب، بل قدموا الجنود والأموال لدعم المجهود الحربي، فإن هذه المسئولية لا تموت بالتقادم، وفقاً لقوانين منظمة الأمم المتحدة، وقراراتها. وستظل تتحملها الحكومات المتعاقبة على السلطة في الدولة التركية. فإن مسئولية أساسية أيضاً تتحملها الحكومات الأوربية والروسية والأمريكية التي جرت المذابح أمام ناظري دبلوماسييها وبعثاتها التبشيرية، والتي كانت تصلها أخبارها أولاً بأول عبر أولئك الممثلين، دون أن تبدي أي جهد للضغط على الحكومة التركية لوقف تلك المجزرة. ولم تقدم أية مساعدة لضحاياها في مواطنهم. ولعل مسئولية الألمان لا تقل  عن الأتراك في هذه المأساة المروعة. إذ كانوا منذ البدء مشاركين فعَّالين في التخطيط والتحضير لها، وكانوا مشرفين على تنفيذها في بعض المناطق، هذا بالإضافة إلى قدرتهم على الضغط على الأتراك، وإيقاف المجزرة لو أرادوا ذلك، باعتبارهم حلفاء للأتراك في الحرب وهم الذين يزودونهم بالمال والسلاح.  

لكن الأداة الفاعلة في معظم الحالات كانوا الأكراد، وبخاصةٍ فيما يتعلق بمذابح السريان الآشوريين في مناطق طور عبدين وديار بكر وحيكاري وأرومية والجبال المحيطة بها. فقد كان التواجد التركي في هذه المناطق شبه معدوم، وحتى قطعات الجيش، كانت في معظمها من الأكراد. ولذا فقد كانوا أداة فعَّالة في هذه الجريمة، سواء كان ذلك عن دراية تامة بأبعاد الجريمة ودوافعها، أو كان عن جهل وانسياق مع الموجة الكاسحة، سعياً للحصول كل على نصيبه من الغنائم والسبايا، أو بدافع المشاعر الدينية المُثارة من قبل رجال الدين الذين عملوا جهدهم (لإرضاء الله) والسلطان العثماني واكتساب موطئ قدم في الفردوس الأعلى، بذبح أكبر عددٍ من الكفار أو (الكاور) كما كان وما زال الأتراك يسمون المسيحيين. ولم يكن للأصوات الخافتة الخجولة، والدعوات الفردية، أي أثر في كبح جماح ذلك السيل الجارف، الذي لم يتنبه الأكراد وزعماؤهم لمخاطره البعيدة، إلاّ بعد فوات الأوان، ويحكم المنطق بأن يأتي دورهم، ليمارس الأتراك فيهم العمل البشع ذاته، بعد أقل من عشر سنوات على المذبحة الكبرى التي استخدموهم فيها، وإن بدرجة أقل حدة، لكنها كانت أكثر مدعاة للأسف والحزن على حلفاء الأمس، أعداء اليوم. فالتركي الطوراني لم يتغير بطبعه ولا بنظرته إلى الشعب الذي يواجهه مطالباً بحقوقه بالعدل والمساواة أياً كان دينه، ومهما قدم له من خدمات‼ واليوم، وبعد مرور أكثر من ثمانين عاماً على المذبحة الكبرى، التي كان فيها الكردي الخنجر الممدود إلى بطون الحوامل والأطفال الرضع بيدٍ تركيةٍ آثمة، ها هو الكردي ذاته يعاني اليوم من أفعال تلك اليد وجرائمها بغير حساب ولا رقابة من ضمير أو أية مشاعر إنسانية. وهي اليد ذاتها التي امتدت وما زالت تعيث فساداً، فتدمر القرى وتشتت وتهجِّر سكانها الأبرياء من الناس، لمجرد أنهم ليسوا أتراكاً، ولا يريدون أن يكونوا كذلك. والغريب في الأمر أن كثيراً من المثقفين والسياسيين الأكراد مازالوا يتجاهلون حقيقة الخطأ الفادح الذي سقط فيه الأكراد، يوم وضعوا أيديهم بيد الأتراك، ورضوا أن يكونوا أداة الجريمة الشنيعة التي اقترفتها تلك الأيدي الآثمة، ولم يقبلوا بتحمّل أية مسئولية عنها، ملقين بكامل المسئولية على الأتراك وحدهم.  

إن الكردي، ولا شك بمشاركته تلك، يتحمل قسطاً هاماً من المسئولية. وهو وإن كان مخدوعاً واستُخدم أداة للتنفيذ، وإن رفض بعض العشائر والزعماء تدنيس أيديهم بدماء شعب جار ومسالم، فإن هذا كله قد يخفف من أعباء تلك المسئولية لكنه لا يعفي الكردي منها. وبخاصة حين يصـرُّ كردي اليوم، رغم كل الحقائق، على التجاهل، وكأن لا ذنب له في كل ما حصل. ملقياً بالذنب كله على التركي الغادر، أو في أفضل الحالات، باحثاً عن المبررات لذلك العمل، وكأن ما حصل على أيدي الأكراد كانت له أسبابه ودوافعه الوجيهة والمنطقية. في حين كان الأجدى بكردي اليوم الاعتراف بالحقيقة التي لا مفر منها وإن كان مغفلاً، تم استخدامه بلعبة قذرة لا مصلحة له فيها كشعب، وأساءت إلى تاريخه وإنسانيته وقضيته. وانجـرّ وراء التركي متحمساً للَّعب القذر، تسوقه جهالته بأبعاد ومرامي تلك اللعبة، وتغذي اندفاعه ذاك، مشاعر دينية عمياء، وجهتها إرادة شريرة للقضاء على شعوب كانت أصدق ما عايشه الشعب الكردي خلال تاريخه كله، وأقرب حليف طبيعي له في نضالهم المشترك من أجل حقوقهم القومية المسلوبة.  

والآن، حين يأتي المثقف والسياسي الكردي لينفي أي دور للأكراد في تلك المذابح، فكأن هذا الكردي لم يَعتبر بكل ما جرى ويجري للأكراد، والذي هو بالدرجة الأولى نتيجة حتمية للخطأ التاريخي الذي مارسه الكردي قبل مائة عام. وهذا التصرف اللا مبالي، يضعنا أمام احتمال أن يعود هذا الكردي نفسه ليمارس الخطأ ذاته، فيما لو أُتيح له ذلك، طالما يصرُّ على عدم الاعتراف بذلك الخطأ، ويتنكر لمسئوليته التاريخية عنه. وللحقيقة، فقد حاول الدكتور كمال أحمد مظهر أن يكتب عن هذا الموضوع بموضوعية، لكنه في النهاية، حاول التنصل من تحمل المسئولية ككردي، ببحثه عن المبررات. ولعل الاعتراف الصريح الأوضح جاء من الأستاذ جلال الطالباني على حادثة فردية، وهي اغتيال القائد الآشوري مار شمعون بنيامين عام(1918) على يد ( سيمكو)، في الوقت الذي كان بضيافته، ماداً له يد الأخوَّة والتعاون لتوجيه بنادقهما إلى صدور أعداء الشعبين الآشوري والكردي معاً. وإن كان اعتراف الطالباني تناول حادثة فردية، لكنه كان عميق الدلالة، ورمزاً صادقاً، عَكَسَ ظلاله على علاقة الشعبين ببعضهما في العقود التالية. هذا، في الوقت الذي نجد فيه الكثير من النخبة الكردية، رغم كل ما جرى وقيل، ما زالت تتفاخر ببطولات وشجاعة زعيمها القومي (سيمكو) وكأن ما فعله كان نصراً باهراً للشعب الكردي‼ دون أن تفكر تلك النخبة، ولو للحظة، عن مدى الإساءة التي توجهها إلى مشاعر الشعب الآشوري الجار الأقرب، وانعكاس تلك الإساءة على صورة العلاقة التي يجب أن تتخلص من كل أدران الماضي ونقاطه السوداء، من خلال المصارحة التامة، والحوار الموضوعي العقلاني، لإضفاء الصفة الواقعية على تلك العلاقة، وبنائها على أسس راسخة ومتينة، من خلال تحديد مسئولية كل طرف بدقة وصراحة دون مواربة أو مداراة، لنبقى نتذكر الماضي ونستوعبه بتفهُّم وإدراك واعٍ، كي لا نظل محكومين بتكرار أخطائه ومآسيه. فالاعتراف بالخطأ فضيلة كما يقال. ونحن لا نعتقد أن الشعب الكردي كان يملك إرادته الحرة حين انقاد إلى ذلك الجنون الشامل، لأنه كان يعمل كمن يقود محكوماً بالإعدام، ليلقي برأسه معه إلى المقصلة. فقد ألحق أبشع الضرر بمصالحه القومية، وفوَّت على نفسه وعلى الآخرين، فرصة تاريخية لا تُتاح، لتحقيق أمانيهم القومية. وتبع زعماء عشائريين ودينيين، كانت لهم مصالحهم وغاياتهم وارتباطاتهم مع الدوائر التركية، وفتك بأقرب حلفائه الطبيعيين كالأرمن والآشوريين، ليواجه بمفرده فيما بعد، عدواً لا يعرف الرحمة ولا الإنسانية.  

إن هذا الشعب الذي انقاد إلى الاتجاه المعاكس لما كان يتوجب أن يسلك، كان مخدوعاً حتى العظم، ولن يستفيق من انخداعه ذاك ما دام يتصرف وكأن شيئاً لم يكن. وكيف يمكن بناء علاقة متينة ووثيقة ومستندة إلى دعائم الثقة المتبادلة بين شعبين جارين، إذا كان أحدهما ما يزال يتنكر لحقيقة أسطع من أن تُغطى بستائر الوهم والمواربة، كما في حالة الشعب الكردي. في الوقت نفسه الذي يحتاج هذا الشعب لأصدقاء يناصرونه في نضاله القومي التحرري؟  

فإذا كان الأكراد يتصرفون بهذا الشكل وهم في مرحلة أحوج ما يكونون فيها إلى الأصدقاء والمناصرين، فكيف يمكن الاعتماد عليهم إذا تحرروا وامتلكوا القوة..؟  

لقد نفى الأتراك مسئوليتهم عن المذابح والمجازر التي ارتكبوها، وما زالوا يرفضون الاعتراف بها، مستندين بذلك إلى قوتهم وجيشهم، لكن لا يمكن أن يسلك الشعب الكردي النهج ذاته، ذلك لأنه لم تكن له مصلحة في كل ما حصل. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الوشائج التاريخية التي تحكم العلاقة بين الشعب الآشوري والشعب الكردي، لا تمكن مقارنتها بالعلاقة بين الآشوريين والأتراك بأي حال. إضافة إلى ما عاناه الأكراد والآشوريون على حدٍ سواء على أيدي الأتراك وما يزالون. ناهيك عن الوضع الذي يعيشه الشعب الكردي اليوم، والذي يفترض فيه أن يظهر بمظهر الشعب الحضاري، الذي يتقبل أخطاءه بكل رحابة صدر، استعداداً لإصلاح تلك الأخطاء وتقويمها. ورغبته الدائمة في إصلاح ما أفسده بإرادة منه أم بغير إرادته، للإشراف على أفق مستقبل باسم، بعد أن نكون قد تخلصنا من كل ما يلوِّث صفاء هذا المستقبل من نقاط سوداء في تاريخنا المشترك.

 
 
   pure software code 2016